الجنيد البغدادي

122

رسائل الجنيد

أن يواصلوا عبادته ولا يسأموا خدمته ، فقال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ يوسف : 56 ] فألزمهم دوام عيادته وضمن لهم عليها في العاجل الكفاية ، وفي الآجل جزيل الثواب ، فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الحج : 77 ] . وهذه كلها عبادة تلزم كل الخلق ، ووقف ليرى كيف تصرف الأحكام ، وقد عرض لرفيع العلم والمعرفة ، ألا ترى أنه قال تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] - يعني شأن الخلق - . وأنت أيها الواقف لترى من الخلق الذي هو في شأنهم أو ترى شأنك مرضيا عنده ؟ ولن يقدر عليه أحد على استحضار عقله إلا بانصراف عن الدنيا وما فيها ، وخروجها عن قلبه ، فلو انقضت الدنيا وبادت وباد أهلها وانصرفت عن القلب خلا بمسامرة رؤية التصرف واختلاف الأحكام ، وتفصيل الأقسام ، ولن يرجع قلب من هذا وصفه إلى شيء من الانتفاع بما في هذه التي عنها خرج ، ولها ترك ومنها هرب ، ألا ترى إلى حارثة حيث يقول : " عزفت نفسي عن الدنيا ، وكأني بأهل الجنة يتزاورون ، وكأني وكأني " وهذه بعض أحوال القوم . فاحرص يا أخي على العمل في نجاة نفسك وخلاصها وعتقها من رق مزلة الهوى والانقياد إلى مسامرة أهل الدنيا قبل . . . « 1 » من نهر الغفلة قطرة إلا . . . ذلك قسوة المنكرات والعقل . . . الطريق وأوضحهم على محجة النجاة ، الأخ لم خفي فيهم الدعوة إلى المسارعة والمنافسة عند فهم الخطاب إذ يقول عز وجل : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 133 ] فنهضت العقول مستحثة للجوارح بجنس التوجه لإقامة ما به يحظون عند من استجابوا لدعوته وفطنوا لإشارته وأقاموا تحت العلم بقربه وقرت عيونهم بما أورد على قلوبهم من السرور بالخلوة به خلا من أناس أكياس لا يرهبون إليه في الطريق غيره ، ولا يتوسلون إليه إلا به ولا يسألونه شيئا غير إدامة

--> ( 1 ) هذه النقاط ، والنقاط التي تليها إشارة إلى كلام مطموس في أصل المخطوط .